محمد بن جرير الطبري
162
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
ثناؤه : ما فعلتُ إلا لنعلم ما علمه غَيركم - أيها المشركون المنكرون علمي بما هو كائن من الأشياء قبل كونه - : أنّي عالم بما هو كائن مما لم يكن بعد . ( 1 ) فكأن معنى قائلي هذا القول في تأويل قوله : " إلا لنعلم " : إلا لنبيّن لكم أنّا نعلمُ من يَتّبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه . وهذا وإن كان وَجهًا له مَخرج ، فبعيدٌ من المفهوم . * * * وقال آخرون : إنما قيل : " إلا لنعلم " ، وهو بذلك عالم قبل كونه وفي كل حال ، على وجه الترفّق بعباده ، واستمالتهم إلى طاعته ، ( 2 ) كما قال جل ثناؤه : ( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) ( 3 ) [ سورة سبأ : 24 ] ، وقد علم أنه على هدى ، وأنهم على ضلال مبين ، ولكنه رَفقَ بهم في الخطاب ، فلم يقل : أنّا على هدى ، وأنتم على ضلال . فكذلك قوله : " إلا لنعلم " ، معناه عندهم : إلا لتعلموا أنتم ، إذ كنتم جُهالا به قبل أن يكونَ . فأضاف العلم إلى نفسه ، رفقًا بخطابهم . * * * وقد بيَّنا القول الذي هو أوْلى في ذلك بالحقّ . * * * وأما قوله : " مَنْ يتَّبع الرسول " . فإنه يعني : الذي يتبع محمدًا صلى الله عليه وسلم فيما يأمره الله به ، فيوجِّه نحو الوَجه الذي يتوَجَّه نحوه محمد صلى الله عليه وسلم . * * *
--> ( 1 ) كان في المطبوعة : " إلا لنعلم ما عندكم . . . " وهذا يجعل الجملة غير مستقيمة ، غير مفهومة المعنى . ورأيت أن سياق الكلام قبله يدل على أن ذلك كما أثبت ، فإن المؤمنين علموا أن قومًا سيرتدون إذا حولت القبلة ، وأنكر اليهود والمنافقون أن يكون ذلك كائنًا . فاقتضى السياق أن يكون التأويل جامعًا لهذا العلم من هؤلاء ، وذلك الإنكار من أولئك . ثم جاء الطبري بعبارة تصحح ما ذهبت إليه في قوله : " إلا لنبين لكم أننا نعلم " . فكأن معنى الآية عند قائل هذا القول : ما جعلنا القبلة التي كنت عليها ، وإلا للعلم بأننا نعلم من يتبع الرسول . . . ( 2 ) في المطبوعة : " على وجه الترفيق بعباده " ، وهو خطأ . ( 3 ) كان في الأصل : " قل الله " أول الآية المستشهد بها ، فآثرت إتمامها .